Chargement de la page en cours... 

Accueil
examens prof
Sociologie
NADARIYAT ATA3ALOM
LA PEDAGOGIE DIFF
SCIENCE DE L'EDUCATION
Al hadar al madrassi
Atawasol al bidagogie
Ata3lim bi al majzoaat
EXAMPLE : EXA.PROF à tous les enseignants
Echelle 11 3h
ãÓÊäÏÇÊ äÙÇã ÇáÊÑÈíÉ æÇáÊßæíä ÇáÊÎÕÕ: ÌãíÚ ÇáÊÎÕÕÇ
Examen ....methodologie echelle 11
NOUVEAUTES
TAHLIL WA MONAKACHAT NAS TARBAWI
Education,Pédagogie,Problèmes,Informatisation de l
SCIENCE DE L'EDUCATION
CENTRE DE DOCUMENTATION
Examens ...surprise
LE LIVRE BLANC
AL FACHAL ADDIRASSI
Charte nationale
Al hayat al madrassiya
Dossier sur l'evaluation
DES FICHES pour l'education familiale
Sciences
DES FICHES
PSYCHOLOGIE
Les fiches pédagogiques
TRES IMPORTANT!!! METHODOLOGIE ECOLE PRIMAIRE
ADRESSES ET TELEPHONES DES ACADEMIES
stp QUEL SONT LES LIENS QUI SA MARCHE PAS ?
Cpdi-agadir
MOUVEMENT ..LES DEMANDES D'ECHANGE DE PERMUTATION
Forum ( montada annikach)
REVUE DE L'ENSEIGNANT
Forum Educatif



إشكالات تعليم النسق الفصيح بالمغرب:من أجل وسط لغوي لتعلم العربية الفصحى


يتموقع هذا المقال في نقطة التقاطع بين اللسانيات التطبيقية و ديداكتيكيا اللغات ، وبصفة خاصة ديداكتيك اللغة العربية ، وبذلك فهو يقارب جملة من الإشكالات المتعلقة باكتساب الطفل المغربي للنسق العربي الفصيح ، باعتبار الوضع اللغوي بالمغرب المتسم بالتعدد من جهة ، و باعتبار وضع النسق العربي الفصيح من جهة أخرى ؛ كلغة وطنية أولى على المستوى الرسمي و على مستوى متغيرات أخرى متعلقة بالسياسي و الإيديولوجي والثقافي( بحمولته التاريخية و الأنثربولوجية) ، و باعتباره « لغة ثانية » أو« لغة ثالثة » على المستوى التداولي بالنسبة للطفل المغربي حسب منشئه الإثنو لساني ( عربي _ أمازيغي ) .
ومن ثمة مشروعية طرح السؤال الديداكتيكي/ الإشكالي حول تعلم النسق العربي الفصيح ، باستحضار الوضع الخاص للغة العربية الفصحى في الخارطة اللغوية المغربية ، باعتبارها اللغة الوطنية الرسمية الأولى من جهة ، و باعتبارها « لغة ثانية » أو « ثالثة »على المستوى التداولي من جهة أخرى .
إنها إشكالات تلقي بظلالها على الممارسين في القسم ، جراء التخبط الذي يوجد عليه واضعو البرامج و المناهج الخاصة بتدريس اللغة العربية ، و بفعل انعدام الجرأة العلمية في تحديد وضع النسق الفصيح على المستوى التداولي و التواصلي ، داخل الخارطة اللغوية المغربية المتسمة بالتعدد ، و جراء عدم استحضار طبيعة اللغة نفسها ، و السنّ الملائم لاكتسابها ... الشيء الذي يؤثر سلبا على اكتساب النسق العربي الفصيح عند المتعلمين ، و يضعف كفاياتهم التواصلية من خلاله ، و بالتالي يقودهم إلى التعثر و الفشل الدراسي ، ماداموا لا يتحكمون في نهاية المطاف في الأداة الأساسية للتحصيل الدراسي ؛ ألا و هي اللغة . و الإشكال الجوهري يبقى هو حاجة المتعلم إلى وسط لغوي ليكتسب اللغة ، في حين أن العربية لا وسط لها، بل إنه اندثر منذ قرون ، الشيء الذي يحتِّم ابتكار وسط لغوي مصطنع يمكن من اكتساب النسق الفصيح وفق طبيعة اللغة و نتائج الأبحاث حول اكتساب اللغة و ديداكتيك اللغات واللسانيات التطبيقية ... فما هو المدخل لذلك، هل هي القراءة أم المسرح؟

1. ديداكتيك اللغات
ما ينبغي الإشارة إليه بدءا هو أن خطاب ديداكتيك اللغات لا تقتصر أصوله النظرية على اللسانيات وحدها، بل تتعدد هذه الأصول ، و يتقاطع فيها عمل المنظر و الممارس ، الجامعي و المكوِّن ، اللساني و السيكولوجي و السوسيولوجي و الإعلامي ... و جميع الحقول المعرفية و النظرية و الأبحاث المؤثرة بكيفية مباشرة أو غير مباشرة على ميتودولوجيا تعليم وتعلم اللغات.
ويأتي تعدد الأصول النظرية للديداكتيك من تعدد الحقول و الخطابات المنتجة حول تعليم و تعلم اللغات ، خاصة اللسانيات و الصوتيات و السوسيو لسانيات و السيكولسانيات ... دون إغفال نظريات التعلم الذي أنتجتها أبحاث سيكولوجيا التعلم و سوسيولوجيا التعلم ، و كذلك ، دون إغفال العلوم الأخرى التي اهتمت بالمجال السوسيو ثقافي كالاقتصاد و التاريخ و الجغرافيا و علوم عريقة مثل الأدب و الفلسفة التي دخلت ديداكتيك اللغات بفضل السيمولوجيا و السيميوطيقا و الأنثربولوجيا ...(1) لكن مع التأكيد على أن اللسانيات هي التي تشكل الحقل المرجعي الأساس و الحاسم في البحث الديداكتيكي اللغوي ، باعتبار أن العديد من النماذج الديداكتيكية تستند في مجالا تعليم اللغات على نظريات و مقاربات لسانيات مثل الطريقة السمعية البصرية و الطريقة المباشرة ( ذ.المصطفى بوشوك، 1990، ص 42 ) و مثل السمعية النطقية...التي أعطت نتائج باهرة سنعود إليها لاحقا.
كما أنه لا يطرح على المهتم بالديداكتيك مسألة التفاضل بين النظريات ، أو الانتصار لنظرية معينة أو اتجاه معين بالمنحى الإقصائي للنظريات و الاتجاهات الأخرى ، إذ أن منطق الديداكتيك كعلم معاصر لم يعد يقبل التفسيرات الجاهزة و الأحاديات البعد ، إذ لا موقع للنزعات الاختزالية في منطق الديداكتيك ذي المنحى الإجرائي / البراغماتي الواضح .
فعلى مستوى سيكولوجية التعلم يمكن للديكاتيكي- مثلا- أن يستفيد من النظرية السلوكية في موضوعة اكتساب اللغة رغم إغراقها في الأمبريقية ، و اختزالها عملية اكتساب اللغة في معادلة ( مثير- استجابة – تعزيز ) ، لكن لا يمكنه إغفال الاهتمام المتميز الذي أولته للبيئة و لعملية التعلم و قوانينه و مبادئه الأساسية في سيرورة اكتساب اللغة ... كما أنه لا يمكنه إلا أن يستفيد من النظرية التوليدية رغم إغراقها في العقلانية ، بحيث لا ينبغي إغفال تأكيدها على الجانب الإبداعي للغة و بنياتها العميقة في عملية اكتساب اللغة بالنسبة للطفل المتوفر على استعدادات فطرية لاكتساب اللغة و الإبداع فيها (3). كما تفيده اللسانيات التصنيفية على مستوى تقنيات التفريع segmentation و إعادة تمارين التحويل و الاستبدال. و تفيده اللسانيات التداولية في ميكانزمات التلقي و وظائف التأثير التواصلي و غيرها من الظواهر المتعلقة بقطاع التعليم ...غير أن ما يعنينا الآن أساسا هي هموم الميدان ، و الأسئلة التي تطرحها الممارسة داخل القسم (Sophie Moirand ;1986,p :95أو حسب السؤال الإجرائي لفرانسوا ماريه: F.Marietكيف يمكن تقننة النظريtechnisation: (5) ليستفيد منه الممارس داخل القسم ؟و كيف يمكن تحديد معالم منهجية لاكتساب المتعلم المغربي النسق العربي الفصيح في بيئة لغوية تتميز بالتعدد اللغوي ؟ و حيث إن هذا لا يشكل بالضرورة اللغة الأم للطفل المغربي ، و حيث إن المدرسة ملزمة مبدئيا بجعله يتحكم :maîtriser في هذا النسق نتيجة لعدة اعتبارات حضارية هوياتية و إيديولوجية و سياسية و اقتصادية و تعليمية ... و حيث يتعامل الطفل مع هذا النسق في سن متأخرة نسبيا ( السادسة أو السابعة ) بعد أن يكون قد استضمر أنساق لغوية مغايرة مهما يكن بينها و بين النسق العربي الفصيح من تناغم أو تنافر ؟ و حيث إن هذا النسق يفتقر إلى وسط طبيعي للتداول ؟

2. الوضع اللغوي بالمغرب :

الوضع اللغوي بالمغرب وضع إشكالي بفعل التعدد اللغوي غير المُتحمّل(6) ، الذي يشكل فسيفساء الخارطة اللغوية بالمغرب و ما نتج عن ذلك من اصطفافات إيديولوجية واعية أو شقية ، و تهميش للبحث العلمي الرصين لمعالجة هذه الإشكالات البالغة التعقيد و التي لها تأثير حاسم - و إن كان لا يشكل مؤشرا مباشرا- على مستوى التنمية البشرية المستدامة لبلدنا ...
و ظاهرة التعدد ليست جديدة على المغرب بالنسبة للغة سكانه الأصليين ( الأمازيغية )، فبفعل احتكاكه مع الأقوام و الحضارات الأخرى ( فينيقية ، وندال ، رومان ، عرب ، إيبيريين ...) فقد عرفت الأمازيغية كسائر لغات الأرض ظاهرة الاقتراض و التأثر ... و غيرها .
أما على مستوى اللغة العربية ، فإنه كذلك ، للظاهرة جذور تاريخية تعود للفتوحات الإسلامية ( ظاهرة لحن العامة ) ( ظاهرة الاقتراض ) في جميع الأقطار الإسلامية . أما في إفريقيا و المغرب، فإنه حسب ابن خلدون فقد« خالطت العرب فيها البرابرة... بوفور عمرانهم بها ، فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي ... و صارت لغة أخرى ممتزجة ، و العجمة فيها أغلب ، فهي عن اللسان الأول أبعد ».(7)
ومنذ ذلك الحين أصبحت اللغة الغربية الفصحى بالنسبة للمغاربة من أصل عربي« لغة ثانية » بعد أن كانت أولى ، و أصبحت للمغاربة من أصل أمازيغي« لغة ثالثة» باعتبار أن« اللغة الثانية » هي النسق المتولّد عن اختلاط الفصحى بالأمازيغية ( العربية الدارجة ) ، وهو المعطى التاريخي / الموضوعي الذي سيؤثر على نقلها و تواترها و إيصالها عبر الأجيال ، مما سيؤثر في تعلمها كلغة أم .(8)
هذا مع استحضار المعطيات التاريخية اللاحقة المتمثلة في الاستعمار الغربي الذي بفعل تفوقه الاقتصادي ، و هيمنته الحضارية و الثقافية و اللغوية بالتالي ، الشيء الذي أمعن في تعميق الإشكالات اللغوية التي يعرفها الوضع اللغوي بالمغرب حيث انضافت اللغات الغازية لتمعن في إلحاق الضيم بالنسق العربي الفصيح حسب تعبير الجاحظ .(9)
وقد شكلت هذه اللغات الأجنبية – خاصة الفرنسية – عوامل بالغة الخطورة على التعايش الذي ميز اللغة العربية في اختلاطها بنسيبتها الأمازيغية ( سامية / حامية ) ، و هو ما نتج عنه ، حسب تعبير الدكتور الفهري ، تلوث في البيئة اللغوية المغربية عندما طغت فيها اللغة الأجنبية الداخلية على اللغة المحلية المُبوّأة عبر الثقافة و المعرفة والسلوكات اللغوية المحلية ، وشوشت بالتالي على التعايش الذي كانت تعرفه البيئة اللغوية المغربية مجسدا في بيئة الازدواج:diglossia أو بيئة التعدد:multilinguism بين لغة معيار رسمية ( العربية ) و لهجات من نفس النسق اللغوي العام أو من نفس المنظومة الثقافية.(10)
و الخلاصة أن الواقع بالمغرب على درجة كبيرة من التعقيد اللغوي، رغم أنه يبدي في الظاهر ثنائية لغوية بسيطة تتمثل فقط في اللغة العربية / الأمازيغية ،إذ يمكن حسب د. اشتاتو استخلاص ثلاثة مستويات متميزة من التواصل اللغوي ؛ أولا المستوى التواصلي ؛ و هو مستوى استخدام اللغة للتواصل اليومي و التطبيق ؛ أي اللهجات الأمازيغية ( تاريفيت ، تشلحيت ، تمازيغت ) و اللهجات العربية ( الدارجة ، الحسانية ) . ثانيا ؛ المستوى الرسمي ؛ أي مستوى استخدام اللغة لأغراض دينية ، حكومية ، و تعليمية أي اللغة العربية ( لغة القرآن الكريم ) و اللغة العربية الكلاسيكية ( أي الفصحى ) و العربية المخزنية (ويقصد بها المراسلات الحكومية الرسمية المحررة بلغة خاصة بالمخزن ) و العربية العصرية الموحدة ، و العربية المستخدمة في وسائل الإعلام . ثالثا ؛ المستوى الوظيفي؛ أي مستوى استخدام اللغة لأغراض اقتصادية و الانفتاح على العالم الخارجي والتبادل و البحث ( الفرنسية – الانجليزية – الاسبانية ).11)
3- الطفل المغربي في مواجهة التعدد اللغوي:
في ظل هذا الوضع يكتسب الطفل المغربي لهجة عربية عامية في بيته،أو لهجة أمازيغية من والديه،أو من أحدهما في السنتين أو الثلاث سنوات الأولى.(12) وعندما يدخل المدرسة يواجه الازدواج بين اللهجة واللغة العربية الفصيحة في السنة الأولى من تعلمه(أي ما يسمى بالديكلوسيا:diglossie)، ويواجه الثنائية اللغوية (bilinguisme ) بين العربية والفرنسية في نفس الفترة (13). بدون أن يكون هناك أي اكتمال أو إنضاج لأي نظام من هذه الأنظمة ،وهو الوضع الذي سيؤثر دون شك على نموه اللغوي والمعرفي والفكري، وبخلق له اضطرابات نفسية وهو في الأطوار الأولى من النمو...وهذا الاضطراب في المراحل الأولى من الاكتساب والنمو له نتائج سلبية أكيدة فيما بعد.(14) حيث ثبت-ميدانيا- أن الاختلالات اللغوية (=التداخلات) تأثير على التأخر في التعبير لدى المتعلم ، أو ظهور الأعراض اللاّفيزيولوجية للحبسة اللغوية ، كما ينتج عنها التأخر في القراءة أو عسرها المطلق اللاّفيزيولوجي أيضا، وكذا ضعف الرصيد المعجمي الفصيح،والأعطاب في الاستضمار الناجع للتراكيب والبنى اللغوية ،بالإضافة إلى التداخلات غير السوية على المستوى المعجمي(الترجمة الحرفية-ظاهرة الاقتراض العشوائي-استعمال كلمات في غير محلها...)،وعلى المستوى الفونولوجي(صعوبة النطق بالفونيمات غير الموجودة في نسقه الأصلي)، وعلى المستوى النظمي (تأطير التفكير بالنسق الأصلي ، مثال :l’arabisme)، أما على المستوى الإدراكي والمعرفي فإن الطفل يصرف طاقاته الكامنة –ليس في التعبير والإبداع- وإنما في المحاولات المضنية والعسيرة للسيطرة على اللغة التي لا يتحكم فيها،عوض استثمار هذا الجهد المضني في فهم وتحليل الواقع والنصوص واستثمارها وتقويمها ونقدها ...الشيء الذي يؤدي به لاحقا إلى عرقلة تطوره المعرفي والفكري وقصور كفاياته اللغوية ، وبالتالي إسقاطه في التعثر والفشل الدراسي ، والمجال لا يسمح بجرد الدراسات والأبحاث التي أثبتت وجود معاملات ارتباط قوية بين متغيرات الاختلالات اللغوية وتوابع الرسوب والتعثر والفشل وضعف المستوى التحصيلي...بل وحتى الأمية.(16)
وقد نبه د.الدريج إلى أن الصعوبات اللغوية التي يعاني منها التلاميذ على مستوى الروض أو على مستوى السنة الأولى أساسي، وكذا صعوبات تعلم القراءة ،لا يتم الكشف عنها دائما ومعرفتها في الوقت المناسب.(17) بل يظل التلميذ المغربي يراكمها طيلة حياته المدرسية إلى أن ينتقل إلى الجامعة. حيث تجده الباحثة رشيدة الزاوي(18)قد انتقل إلى مرحلة عالية ،لكن، لن ينقل معه أي اكتساب لمهارات في القراءة والكتابة والاستماع ، فلا هو يقرأ قراءة جهرية معبرة ، ولا هو يحسن استخلاص معاني ما يقرأ ، ولا هو يستطيع التغلغل في ما وراء الكلمات والعبارات...ولا يكتب وفقا لقواعد اللغة ،فهو كثير الأخطاء الإملائية و النحوية و الصرفية، فلا يحترم علامات الترقيم أو تسلسل الأفكار وفق نسق منطقي، و هو إذا استمع لا يحسن استنتاج و تركيب مضمون ما يسمعه، أو قد نجده منكبا على نسخ ما يسمعه بالحرف...
و هذه الأخطاء اللغوية... يرجعها ذ. بوشوك إلى تأثر اللغة الهدف ( العربية الفصحى ) بالغات الأخرى التي تزاحمها كاللغة الدارجة و الأمازيغية اللتين تزاحمان العربية الفصحى في المغرب و تخلقان عدة عراقيل أمام تمنكن التلاميذ منها(19)
أما على المستوى المعرفي و السيكو اجتماعي فإن إجبار المتعلم على اكتساب العلم خارج لغته يعني إكراهه على إبداء مجهود مضاعف، فعلى المستوى المعرفي فإنه مضطر لإتقان لغة ( أجنبية ) يعتبرها هي اللغة الموضوعية لاكتساب العلم، مما سينجم عنه طرح مُكتسبه اللَّسني الذي سينظر إليه كتحفة جامدة لا تتجاوز وظيفتها حدود التخاطب مع جماعته، أما الوجه السيكو اجتماعي فيتجلى في خلق انفصال حاد في ذهنية التلميذ بين معنى علم و قيمته الاجتماعية.(20)
أما على مستوى القيم فإنه لا يمكن تمثل معناها و محتوياتها السلوكية إذا لم تكن اللغة الأم هي المصدر الأصلي الذي نستلهم منه خطابنا التربوي، بحيث أن أي انفصال عن هذه اللغة أو أي سوء استعمال لرأسمالها الرمزي و الدلالي لا نجني منه سوى كائنات ذات معالم حضارية مشوهة.(21)
و دون حذر منهجي يمكن الجزم و القطع بأن التلميذ / الطالب ليس مسؤولا عن هذا الوضع إذا استحضرنا أن الطفل قبل ولوجه المدرسة يتمكن من امتلاك نسق لغوي معقد تعقد النسق الفصيح ذاته ( نعنى به العربية الدارجة – الأمازيغية بتفريعاتها ) و يمكِّنه من التواصل و التعبير و الإبداع دون أية مشاكل، و ذلك كله بالسليقة؛ أي دون أدنى تدخل بيداغوجي أو استراتيجية أو تخطيط مسبق... و دون أن نستعير الجهاز المفاهمي للنظرية التوليدية / التحويلية يمكن أن نجزم بأن الطفل قادر على اكتساب أي نسق لغوي، الشيء الذي يجعلنا نؤكد على أن هذا التعثر الذي يصيب المتعلم و الطالب المغربي خارج عن ذاتيهما، و أنه ينبغي توجيه البحث إلى أشياء أخرى، و تجنّب الارتكان الكسول إلى الإجابات الجاهزة (22) و النمطية.

طبيعة اللغة:

تبعا للاستنتاج السابق الذي مفاده أن نتائج الاختلالات اللغوية ليست مرتبطة بالمتعلم، بل إنها مرتبط بمسائل خارجة عنه، نفترض أن السبب مرتبط بعدة متغيرات يمكن إجمالها في مناهج تدريس اللغة العربية و طرق و أساليب تدريسها، و توقيت محاولة إكسابها للمتعلم المغربي... مستحضرين وضعيتها الخاصة في الخارطة اللغوية المغربية، بمعنى أنها أسباب أخرى راجعة للمسؤولين عن وضع مناهج اللغة العربية، و تأليف كتبها و تحديد طرق تدريسها، الذين حسب ذة. رشيدة الزاوي؛ يغفلون « بنية اللغة » و نظامها الذاتي، و أشكال تحقّقها في مواقف الاستعمال، و المسلمات المساعدة على اكتسابها، و النظريات التي تمكن من تدريسها و تقريبها لإفهام المتعلمين.(23)
أما د. الفهري، فيرجع ذلك إلى تأخر النظام التعليمي بالمغرب فيما يسميه بالإغماس المبكر (early immersion ) للمتعلم المغربي في الوسط اللغوي الفصيح ( هذا الوسط غير موجود طبيعيا )، و من ثمة فإن يؤكد على اختيار الظرف الزمني ( السن المبكر ) الذي يتوفر فيه الاستعداد الذهني عند الطفل للاكتساب اللغوي، المتسم بالمرونة التي تمكن من التعلم غير الإرادي الواعي... دون تدخل مباشر في التعلم.(24)
و من ثمة يجد الديداكتيكي المهتم بتدريسية اللغة العربية للصغار نفسه أمام متغيِّرين حاسمين في بناء منهجية تمكِّن المتعلم المغربي من التحكّم في النسق الفصيح؛ و هما « طبيعة اللغة » و « زمن تعلمها »، و بالتالي الاستفادة من جميع المعطيات العلمية التي تشكل الأصول النظرية لعلم الديداكتيك كما أشرنا إلى ذلك سابقا.


اللغة صوتية:

أول الحقائق اللغوية هي أن اللغة صوتية، أي أن المادة الأساس لبناء اللغة – سيما اللغة الظاهرة – هي الأصوات، و ما يترتب عنها من سلاسل صوتية أصغرها الفونيم، ثم ترتبط الفونيمات فيما بينها لتشكل المونيمات، ثم الجمل، فالفقرات الخ... و قد انتبه ابن جني منذ قرون خلت إلى هذه الطبيعة الصوتية للغة الظاهرة عندما عرفها كالتالي « حد اللغة أصوات » ثم ينضم المعنى إلى الصوت، ليكمل ابن جني تعريفه للغة بأنها « حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ». فإذا اتفقنا على هذه الحقيقة للغة الظاهرة: ( صوتياتها )؛ فإنه ينبغي أن نتفادى التّيه الديداكتيكي السائد في المدرسة المغربية ( بين تعليم اللغة و تعليم القراءة و الكتابة )، و بالتالي فإننا عندما نتفق على صوتية اللغة ( في مستواها الظاهر )، فإنه يجمل بنا أن نخرج كل الأنساق الأخرى بما فيها النظام المكتوب، الذي ما هو إلا تمثيل للبنية الصوتية للغة ؛ أي أنه بحسب ثنائيات دوسوسور : إذا كان الدال ( الصوتي ) يرمز إلى المدلول ( المعني )، فإن الكتابة ترمز فقط إلى الدال ( الصوت ) الذي يرمز إلى المدلول ( المعنى )، و بالتالي فإن النظام الكتابي متخلف عن النظام الصوتي، و لا يمكن أن يكون مدخلا إلى تعليم اللغة، خاصة عندما نلاحظ أن النظام الصوتي قاصر عن التعبير عن جل المعاني و الأفكار و الأحاسيس، فما بالنا بالنظام الكتابي الذي ما هو إلا مجرد ترميز للنظام الصوتي، و من ثمة فإنه اعتبارا لهذه الحقيقة الأولية ( صوتية اللغة )، فإنه ينبغي إيلاء أهمية قصوى للجانب التطبيقي في التعليم الأساسي للغة العربية كما أن استراتيجية تكوين المدرسين ينبغي أن تركز على جعل المدرسين / الممارسين يتحكمون في البنية الفونولوجية و الفونيتيكية للغة العربية، و هي أشياء منعدمة بالمطلق في مراكز تكوين المدرسين، الشيء الذي يجعل الممارسة الديداكتيكية تغفل هذا البعد الصوتي للغة، و لا تستحضر الأصالة الصوتية للغة و بالتالي عدم الاستفادة من ذلك في تدريسيتها.
و قد أكدت اللسانيات الحديثة و علم النفس على أهمية اللغة المنطوقة في عملية التعلم كما أكد العديد من الباحثين في الميدانين التربوي وعلم اللغة التطبيقي على فعالية الدور الذي تقوم به ممارسة الكلام و النشاط اللغوي من طرف المتعلمين. و من ثمة فإنه حريَّ بنا أن نعير أهمية خاصة للسند الشفوي في العملية التعليمية، و أن ننكبّ- من الآن -على تحديد الصيغ التي يمكن عبرها إدماج هذا السند في النشاط التدريسي. و هو ما سنرى أن المسرح قد يمكننا منه.

اللغة سماعية:

لاكتساب اللغة بالطريقة الطبيعية على الطفل أن يسمع و يسمع، ثم يحاكي من يسمع، ثم يعبر. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الطفل قادر عل الاستماع و هو جنين ، و يستمر في استضمار النماذج اللغوية عبر السماع ، إلى أن يمر إلى مرحلة الصراخ و الثغثغة و اللغو ...ثم الكلام ، حتى يستوعب النظام اللغوي الأم في شموليته قبل الرابعة ، إلا أنه منذ التعليم الأولي أو الأساسي – عندنا – فإن أول مل يطلب منه هو الدفتر و القلم( ؟!) كما لو أننا نريد تعليمه الكتابة قبل أن نعلمه اللغة( ؟!) و من ثمة فإنه للاستفادة من سيرورة الاكتساب الطبيعي للغة فإنه لابد من إعادة الاعتبار لمهارة الاستماع التي « من حسن الصدف» أن الطفل يأتي مزودا بها إلى المدرسة ، إن لم يكن عنده عائق فيزيولوجي . و ما على المدرسة إلا صقلها و تنميتها ، خاصة و أنه ثابت ميدانيا أن إهمال التربية على الاستماع تؤدّي إلى خلل في عملية التواصل ، وهي الأعطاب التي يمكن للمسرح أن يعالجها .

اللغة سلوك يكتسب في وسط لغوي:

بالرغم من النقد الموجه للسلوكية إلى حد التبخيس ، فإن هناك إجماعا على ضرورة توفر وسط ملائم لاكتساب اللغة ، و أنه في غياب هذا الوسط ( سواء أكان طبيعيا أو مصطنعا يستحيل اكتساب لغة ما ، حتى و إن كان الطفل مزودا باستعدادات فطرية و قدرات لاكتساب اللغة . و حتى و إن كان مبرمجا ليكون كائنا لغويا ، فليس ليتكلم بلغة معينة ، و إنما ليتكلم اللغة التي يجدها في وسطه وبيئته ، عن طريق سمعه جملها ... فهو يكتسبها، في حين لا نعرف كيف تعلمها ، والأم بالذات – حسب ذ. زكريا – ليست ملزمة بأن تتخصص في مجال تعليم اللغة ... كما أن العائلة غير متخصصة بالضرورة في الألسنية و مكوناتها : علم الفونولوجيا و علم التراكيب و علم تعليم اللغات... و لا تفكر أبدا بوضع برنامج تعليمي لتدريس أطفالها اللغة. و إنما يتم اكتسابها عن طريق تعرضه، مباشرة، للمظاهر اللغوية المحيطة به. في حين أن المدرسة في الحقيقة لا تعلم إلا قراءة اللغة و كتابتها، أما اكتسابها فيتم بصورة طبيعية، و ذلك في مرحلة سابقة على ذهاب الطفل إلى المدرسة. و هذا ما يدفع د. ميشال زكريا إلى استبعاد إمكان قيام العائلة و المحيط بدور تعليمي مباشر . وحتى على مستوى هذه الوظيفة المدرسية ( تعليم قراءة اللغة ) فإن عنصر السماع يبقى هو الأساس ، حيث يرى ليوطار« أن القراءة هي السماع لا الرؤية ، فالعين لا تقوم إلا بعملية كنس للعلامات المكتوبة ، بحيث لا يسجل القارئ حتى الوحدات الخطية المميزة ( إنه لا يرى القشور ) بل يمتلك الوحدات الدالة و يبدأ عمله خارج الكتابة في الوقت الذي يؤلف فيه هذه الوحدات من أجل بناء معنى الخطاب ، إنه لا يرى ما يقرأ بل يسعى إلى سماع معنى ما يريد قوله » ، و بالتالي فإن «القارئ في العمل التواصلي يسمع فقط ما يقوله المتكلم » . (30) و الإشكال الجوهري هو أن اللغة العربية الفصحى لا وسط لها ، فهل يمكن أن يشكل المسرح وسطا بديلا ؟

الإشكال الجوهري:

عندما يجمع اللسانيون و السيكولوجيون و السوسيولوجيون على أن الوسط اللغوي شرط أساس لاكتساب اللغة ، فإن الحقيقة هي أن اللغة العربية الفصيحة عندنا لا وسط لها ، بالإضافة إلى أن ما يمكن أن يكتسبه الطفل المغربي في المدرسة و لو على علّاته ، لا يوظفه خارج المدرسة و لا يتواصل به و لا يروِّجه ... و من ثمة فإن الإشكالية الجوهرية المطروحة على الديداكتيكيين و الممارسين هي أنه يُفرض عليهم تعليم النسق العربي الفصيح دون وجود وسط لغوي يمكن إغماس المتعلم فيه ، و من ثمة تطرح ملحاحية ابتكار وسط مصطنع للنسق الفصيح ، يكون بديلا للنسق الطبيعي الذي اندثر منذ قرون ، و بذلك نقترح المسرح المدرسي وسطا بديلا ، فماذا يمكن أن يقدمه المسرح لتعليم اللغة العربية ؟

تطور مناهج تدريس اللغات الثانية والأجنبية :

نتيجة للاستفادة من الدراسات المتعلقة بديداكتيك اللغات الثانية و الأجنبية ، فقد عرفت طرق التدريس تطورات حاسمة جعلتها تتسم بالنجاعة و الفاعلية ، أحدثت قطيعة مع الطرق الترجمة و النحو التي كانت تعتبر أساس استراتيجية تدريس اللغات الثانية و الأجنبية، إلى درجة أن وكالة الاستخبارات الأمريكية اعتمدتها في تعليم عملائها لغات البلدان المستهدفة و ذلك في وقت وجيز وبنجاعةتامة.ويمكن أن نستعرض بإيجاز ثلاثة نماذج لهذا التطور الحاصل:
- الطريقة السمعية/ النطقية : audio-oral و تهدف إلى الاكتساب الآلي للغة ، و ذلك عن طريق تفعيل مهارات السمع و النطق و إقصاء الكتابة ، و التركيز على الاستعمال الشفهي للغة ، و تمرين المتعلم عليها لاكتساب آليات الاستعمال اللغوي .
- الطريقة المباشرة:méthode directe و تعني أن تدريس لغة ثانية ينبغي أن يتم بشكل مباشر دون اللجوء إلى وساطة لغة أخرى، أي الترجمة.
- التلفظية: énonciation التي أحدثت ثورة كبرى في نظام التواصل اللغوي ، لم يعد بعدها ينظر إلى اللغة على أنها مجرد « أداة » مطلقة مجردة عن« الموضوع »؛ بل أصبح ينظر إليها كنشاط تواصلي مرتبط بالظروف السوسيو ثقافية للمتخاطبين ، يتم بواسطة تفعيل العلاقة الإنسانية ، و تحقيق التبادل اللغوي المنشود بين متخاطبين مُحدّدين . و هذا يعني أن تعلم اللغات بالنسبة للمتعلم يشكل وسيلة و غاية في نفس الآن .
أما عندنا فإنه توجد شبه قطيعة بين البحث العلمي و بين المؤسسة التربوية ( الإدارة التعليمية ) ، و انعدام استثمار نتائج البحث العلمي التربوي ، مع ندرة الدراسات المهتمة بتقويم برامج اللغة العربية ،(32) هذا في الوقت الذي أكد فيه شومسكي على أن اللسانيات التي تهتم فقط بالنظام المعرفي اللغوي النفعي ، و لا تهتم بالطريقة التي يتمُّ بها اكتساب هذا النظام ، ستقـيِّد نفسها ضمن حدّين ضيقين، و ستلغي من حقلها القضايا ذات الأهمية الكبرى، من أجل تحقيق أهدافها المحددة، والتي هي بلا شك ذات أهمية كبيرة بحد ذاتها .(33)
وهذه القطيعة بين العلمي و التربوي هي التي تحول – حسب ذ. إكرامن – ربط كل التعديلات التي طالت برامج اللغة العربية بتصورات واضحة للأهداف منذ سنة 1951 بحيث ظلت التعديلات تتم بارتجال إلى حدود سنة 1985 ، حيث جاءت المحاولات التأسيسية – غير المدروسة – لنموذج التدريس بواسطة الأهداف .(34)
وبعودة سريعة إلى مناهج وبرامج اللغة العربية بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي (وهي التي تعنينا الآن) نجد فعلا غياب هذا التصور الواضح لطبيعة اللغة، وللوضع اللغوي بالمغرب، وبالتالي للأهداف الواضحة من تعليم اللغة العربية.
ففي برنامج 1979 – مثلا – لم يتم التطرق إلى الوضع اللغوي ولا إلى طبيعة اللغة... و تم التركيز في تدريسها على النص، باعتباره وحدة فكرية في الممارسة اللغوية عند الطفل، أما التعبير فكان يقصد به درس المحادثة آنذاك.(35)
أما في سنة 1991 ( امتداد لإصلاح 1985 ) فنجد منهاج الوزارة الأحادي لا يتطرق بتاتا للإشكالات التي يطرحها الوضع اللغوي بالمغرب، و لا يستحضر طبيعة اللغة، و بالتالي يعطي الأسبقية للقراءة على التعبير في مكونات اللغة و أهدافها الخاصة.(36)
وبعد تحرير الكتاب المدرسي من الأحادية و الإلزامية حصلت طفرة نوعية، حيث نجد الكتابين الرائجين الآن يستحضران الوضع اللغوي المتسم بالازدواج، و إن كانا يحصرانه في النسق الفصيح و العربية الدارجة، و يغفلان معا، و بشكل يدعو للاستغراب و التساؤل، المكوِّن الأمازيغي – بلهجاته – كلغة أمّ بالنسبة ل %40 من السكان في المغرب الذين يتحدثون بالأمازيغية كما توضح ذلك الموسوعة الإلكترونية ENCARTA .(37) و هو العنصر الذي جعل هذين الكتابين يقعان في انزلاقات منهجية، رغم التطور الحاصل في تصورهما لتدريس اللغة العربية، بالمقارنة مع فترة الأحادية و الإلزامية و الاحتكار. و بالتالي لا بد للمنهاج أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع اللغوي للبلاد، المتسم بعدة اختلالات ذكرنا بعضها سابقها ، ومن ثمة نقترح الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي يوفرها المسرح المدرسي.

علاقة المسرح بالتربية الحديثة :

نظرا للفقر الذي توجد عليه المؤسسات التعليمية و مؤسسات التكوين، و في غياب المخابر اللغوية ، و الوسائل التكنولوجية للاستفادة من مزايا هذه الطرائق الحديثة في تدريس اللغات الثانية و الأجنبية ( أي اللغات التي لا وسط لها ) فإننا نقترح اعتماد المسرح المدرسي للاعتبارات التالية :
-عادة ما يفتخر رجال المسرح بهذا الفن النبيل و يعتبرونه أب الفنون، و الحق كذلك، فالمسرح هو« فن الاستماع و فن الكلام و فن التواصل، و فن التشكيل و فن الحركة المتوازنة المضبوطة... »
-إذا كان المسرح لم يجد مكانا له في التربية الكلاسيكية القائمة على السلطة و القمع و سلبية الطفل و تهشيمه و تشييئه... فإن له تقاطعات هامة مع التربية الحديثة المتمركزة حول المتعلم و حول نشاطه و اهتمامه و حاجياته... و بالتالي فإنه قد آن الأوان –عندنا- لكي يعي كل من المسرح و المدرسة إنهما يكمل واحدهما الآخر ليسعيا معا لخدمة التلاميذ و إفادتهم ( روجي ديلديم.1988 ).
-المسرح المدرسي له الكثير لتقديمه لخدمة العملية التربية بمضمونها و أساليبها الحديثة، إذ أن جميع الباحثين يتفقون على أنه وسيلة تربية ناجعة:Efficace (39) فالدكتور عبد الكريم برشيد –مثلا- يرى بأنه: نشاط « تربوي تعليم... يلبي للطفل حاجاته النفسية الاجتماعية، يحرره و يعلمه أصول التفكير و الحوار و التعامل و يكسبه الشجاعة الأدبية ».(40)و يرى ذ. الشتيوي بأنه طريقة تربوية للتعليم تساعد الطالب على التعبير عن نفسه... و لا يحتاج التلاميذ إلى مهارات مسرحية أو دراسة لفنون المسرح من أجل المشاركة.(41)ويرى ذ. المزي أنه بواسطته يمكن إفساح المجال للتلميذ ليعبر عن قدراته بمختلف وسائل التعبير المضمونة في هذا الفن.(42)
وبذلك فإن المسرح المدرسي يمكنه أن يلعب دور التقنيات البيداغوجية في تدريس مواد المنهاج الدراسي لتقاطعه وتعالقه معها في أكثر من مستوى ، ومن ثمة يصبح المسرح المدرسي وسيلة تعليمية للوصول إلى جعل المادة التعليمية ممتعة ومشوقة ومناسبة لمدارك الأطفال وقدراتهم. إذ أن المسرح المدرسي يلتقي مع اللعب الذي هو سلوك فطري عند الصغار، حيث إنه في جوانب كثيرة من لعب الأطفال نجد لعب الأدوار واللعب الدرامي...الذي هو نزوع عفوي وتلقائي عندهم . وفي دراسات مقارنة بين أسلوب النشاط التربوي على المسرح مع المواقف التربوية داخل القسم(التقليدي) ، نجد أن النشاط التربوي على المسرح يمتاز بالحركة والتعبير الدائمين ، بينما يتميّز النشاط في القسم التقليدي بكونه-في أغلب الأحيان عرضا جامدا غير متحرك ، علم بأن الطفل يميل بطبعه إلى التفاعل مع المواقف المتحركة أكثر من ميله لتلك التي تنزع للسكون...
ويفتح إدخال الدراما إلى المدارس الابتدائية أفاقا أرحب تجعل حياة الأطفال ممتلئة بالبهجة والسعادة، كما أن توظيف طرق الإلقاء المسرحي يبعث في الفضاء المدرسي عنصر التشويق ويبعث في التلاميذ الحيوية والنشاط. كما يلعب المسرح المدرسي دورا هاما بالنسبة للحياة النفسية للتلميذ ، لأننا من خلاله نستطيع اكتشاف ميول التلاميذ ورغباتهم ، والتعرف على شخصياتهم وكذلك خجلهم وبعض مشاعرهم العدوانية ، كما أن له دورا فعالا في القضاء على الخجل والانطواء على الذات.(43)
وقد كان كولدويل كوك من أوائل من تحدثوا عن دور الدراما في التدريس (سنة 1914 )، وقبل ذلك تنبأ الكاتب الأمريكي الأشهر مارك توين بأن مسرح الطفل الذي اعتبره "من أعظم اختراعات في القرن العشرين- ستكون له قيمة تعليمية كبيرة لا تبدو واضحة أو مفهومة في الوقت الحاضر ، وسوف تتجلى قريبا ...لأن دروسه لا تلقن عبر الكتب بطريقة مرهقة ، أو في المنزل بطريقة مملة، بل بالحركة المنظورة التي تبعث الحماسة وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال .(45) وهذه الأهمية التربوية للمسرح المدرسي هي التي جعلت المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم يوصي منذ دورته الأولى سنة 1970 – أي منذ 35 سنة – بانتهاج سياسة عربية تسهم في جعل المسرح التربوي يلعب دورا بارزا في العملية التربوية ويصبح جزءا من حياة التلميذ، عبر التعاطي مع ممارسات المسرح المدرسي انطلاقا من تقنياته التي يتداخل فيها ما هو ديداكتيكي بما هو تنشيطي.
فهل يمكن أن يكون هناك دور للمسرح المدرسي في تعليم اللغة بالمواصفات الحديثة؟

دور المسرح في تعليم اللغة:

في صنافة ميالاري:Mialaret نجد المسرح يرتبط بالأنشطة الأساسية التالية:الإنسان و المجتمع،الحس، الانفعال و التواصل. أما صنافة دينو: d’Hainaut فترتب المسرح المدرسي في مجال الفنون،علوم الزمان و المكان، و علوم اللغة و التواصل و التقنيات. و يصنفه الأستاذ عبد الحي عمور في مجالات اللغة و الفنون.(46) وحسب جيرالدين سيكس فإن منظمة مسرح الطفل الأمريكي قد أكدت على أن عنصر مشاركة الطفل في المسرح ينمي قدراتهم اللغوية. أما المؤتمر الدولي لمسرح الطفل بلوس أنجلوس سنة 1970 فقد ركز على الهدف التواصلي للمسرح ضمن باقي الأهداف المعرفية و المهارية و التذوقية الجمالية و التعبيرية الإبداعية.
و يرتبط التعبير اللفظي المسرحي بالإلقاء، و من ثمة تأتي علاقته بالنطق و الصوت، حيث يعود بنا هذا العنصر إلى جهاز الإصاتة، الذي هو في نفس الوقت جهاز التنفس، المنبني على عمليات ميكانيكية تتم بشكل تلقائي و آلي للتحكم في ضبط هذه الميكانيكية و الآلية و تحديد الهدف منها، فضلا عن كونها ضرورية لاستمرار الحياة، يجعلنا نعطيها بعدا جماليا، بناء على الإتقان لتصبح تعبيرا فنيا يرتكز على التحكم في كمية الهواء أثناء النطق و الإلقاء للتلفظ بالكلمات و إعطائها صورا سماعية، تضع المنجز و المتلقي في أحاسيس و مشاعر المعاني المنطوق بها.
كما أن التدرب على امتلاك هذه الإيقاعات و ضبطها يولّد التحكم فيها، و يكسب عادات تنضاف للسلوك المكتسب، حيث ينبني هذا الاكتساب على عمليات تمهير لحصول كفاية النطق السليم والتعبير المعبر، من خلال عملية لها ارتباط بمواقف حياتية أو مرجعية معينة وفق النماذج المختارة و المحددة لاستضمار هذا النسق اللغوي في التداول.(48)
كما يمكن للمسرح المدرسي أن يلعب دورا علاجيا لبعض الحالات المرضية الناتجة عن صعوبات في التلقي أو النطق كالعيٌ، و قد كان يلجأ إليه الدكتور جاكوب ليفي مورينو في التحليل النفسي للحالات المرضية المعروضة عليه... و في حالات التعثر الدراسي النابع من حالات التلاميذ الخاصة أو الناتج عن وضع سوسيو اقتصادي أو اجتماعي.(49)
و في غياب التصور الواضح في منهاج تدريس اللغة العربية الذي يستحضر الواقع اللغوي المتعدد، و طبيعة اللغة ذاتها، و ميكانزمات اكتسابها، فإنه يمكن اللجوء إلى ما يسمى بالمسرحة: théâtralisation، كحل مرحلي، و هي من التقنيات الأساسية – حسب روجر .م. بسفيلد- التي يمكن الانطلاق منها؛ و هي ترجمة ما هو غير مسرحي إلى ما هو مسرحي درامي، والبداية تكون من البحث عن نص سردي؛ قصة أو ما شابه تحتوي على قابلية للتمسرح، وهذه التقنية معروفة في جميع الدول التي تعرف اهتماما كبيرا بالمسرح المدرسي، أو مسرح الطفل.(50)
و ما يمكِّن من ذلك هو وجود التشابه بين النص السردي و النص المسرحي، و اشتراكهما في بعض العناصر البنائية، كالشخصية و الفعل و الزمان و المكان و العقدة، فالأمر الجوهري في الاختلاف بين القصة و المسرحية هو الفرق بين الفعلين« كان » و يكون ، ففي القصة كل شيء قد تمّ و يُحكى الآن، أما في المسرحية فإن كل شيء يحدث الآن و أمام الجمهور، و ما ينطبق على القصة يمكن أن ينطبق على نص سردي آخر عند كتابة نص مسرحي انطلاقا من نص وقع عليه الاختيار.(52)
يبقى أنه على الممارس الإلمام غير المحترف ببعض التقنيات المسرحية حتى تتم عملية نقل الشخصية من عالم القصة إلى عالم المسرحية، التي يجب أن تكون عملية درامية / مسرحية، تمكن الشخصية من التعبير عن نفسها بكلمات قليلة تشمل أبعادها الثلاثة: الجسمية و النفسية و الاجتماعية من خلال الحوار المسرحي.
و تعتبر الحركة و التعبير و التشخيص و الحوار والميم العناصر التي يمكن للممارس من خلالها تقديم مبادئ المسرح للطفل في المدرسة الأساسية، و ذلك بشكل مبسط ووفق وضعيات ديداكتيكية تساعد على تلقينها انطلاقا من الممارسة، باعتبار أن الحركة هي الفعل الخلاق الإبداعي الذي يؤدي إلى تنمية العقل و الحواس، بمختلف تصنيفاتها: الحركة في القصة ( الإرشادات المسرحية ) الحركة في الخلفية ( المكان، الموقع…) الحركية في الشخصية ( نمط الشخصية و مزاجها ) أو الحركات العامة و الحركات الفردية…
و يرتبط التعبير بالإلقاء، و من ثمة تأتي علاقته بالنطق و الصوت، حيث يعود بنا هذا العنصر لجهاز الإصاتة، الذي هو جهاز التنفس كذلك، و الذي يرتبط بالصوت للتلفظ بالحوار و إلقاء كلماته و مقتضيات التلفظ و مقاماته… و يعتبر التعبير مهمَّا في المسرح لأنه وسيلة اتصال بين الذات و الآخرين سواء تم التعبير بالإشارة أو التعبير بالصوت أو التعبير بالحركة أو التعبير الصامت ( الميم ) …
و التشخيص سواء أكان فرديا أو ثنائيا أو جماعيا فإنه يعني الدخول في الدور ( أي الوظيفة التشخيصية في المسرحية و هي التمثيل ) . و يقوم التشخيص على عنصرين أساسين:تصوير شخصية الدور و الامتلاء بها و العيش فيها، ثم التعبير عما يقدم؛ أي التعبير بالصوت و الحركة، كما أن الحوار عنصر أساس في الكتابة الدرامية و يرتبط ارتباطا كبيرا بالنص الدرامي، و هو يظهر في عمل الممثل كإلقاء من خلال الصوت و النطق و الإشارة.(54)

على سبيل الختم:

لا يمكن في هذه العجالة استعراض جميع التقنيات المسرحية، التي تمكن من توظيف المسرح المدرسي كوسط مصطنع لإكساب النسق العربي الفصيح، و يمكن للممارس المهتم أن يرجع إلى الدلائل العلمية التي أصدرتها وزارة التربية الوطنية، خاصة و أن المسرح المدرسي أصبح الآن مادة مقررة في منهاج المدرسة الابتدائية، ليطلع-باستفاضة- على التقنيات المسرحية، و خاصة تقنية مسرحة النصوص السردية.
و الخلاصة أنه باستحضار وضع اللغة العربية، و باستحضار السنّ المتأخر للمتعلم المُلزم باكتسابها، و باستحضار نتائج الأبحاث في اللسانيات التطبيقية و سيكولوجية التعلم و سوسيولوجيته… و باستحضار طبيعة اللغة نفسها، و الطرق الطبيعة في اكتسابها، و الطرق الحديثة في تعلم اللغات الأجنبية و الثانية، فإنه بإمكان المسرح المدرسي تقديم الشيء الكثير لاكتساب النسق العربي الفصيح، عوض التشبت بالطرق الكلاسيكية الجامدة التي لا تنتج إلا الصمّ و البكم.