Chargement de la page en cours... 

Accueil
examens prof
Sociologie
NADARIYAT ATA3ALOM
LA PEDAGOGIE DIFF
SCIENCE DE L'EDUCATION
Al hadar al madrassi
Atawasol al bidagogie
Ata3lim bi al majzoaat
EXAMPLE : EXA.PROF à tous les enseignants
Echelle 11 3h
ãÓÊäÏÇÊ äÙÇã ÇáÊÑÈíÉ æÇáÊßæíä ÇáÊÎÕÕ: ÌãíÚ ÇáÊÎÕÕÇ
Examen ....methodologie echelle 11
NOUVEAUTES
TAHLIL WA MONAKACHAT NAS TARBAWI
Education,Pédagogie,Problèmes,Informatisation de l
SCIENCE DE L'EDUCATION
CENTRE DE DOCUMENTATION
Examens ...surprise
LE LIVRE BLANC
AL FACHAL ADDIRASSI
Charte nationale
Al hayat al madrassiya
Dossier sur l'evaluation
DES FICHES pour l'education familiale
Sciences
DES FICHES
PSYCHOLOGIE
Les fiches pédagogiques
TRES IMPORTANT!!! METHODOLOGIE ECOLE PRIMAIRE
ADRESSES ET TELEPHONES DES ACADEMIES
stp QUEL SONT LES LIENS QUI SA MARCHE PAS ?
Cpdi-agadir
MOUVEMENT ..LES DEMANDES D'ECHANGE DE PERMUTATION
Forum ( montada annikach)
REVUE DE L'ENSEIGNANT
Forum Educatif



الطفل المغربي و أساليب التنشئة الإجتماعية بين الحداثة و التقليد



قراءة في كتاب :

الطفل المغربي و أساليب التنشئة الإجتماعية بين الحداثة و التقليد


لمحمد مصطفى القباج

                                                                            الباحثة : هند البشريوي
                                                                            كلية علوم التربية بالرباط


 


    يندرج هذا الكتاب ضمن دفاتر في التربية و في إطار سلسلة " الطفولة " العدد 3، كتبه محمد مصطفى القباج ، و تتحدد عدد صفحاته فيما يناهز 104، من الحجم الصغير ، صدر عن مطبعة النجاح الجديدة بالدارالبيضاء سنة 1997، ويحتوي على مجموعة من المباحث كلها تسعى إلى دراسة الطفولة و علاقتها بالتنشئة الاجتماعية في منحيين اثنين هما الحداثة و التقليد ، وقد تم إنتاج هذه المباحث إما لنشر في مجلات دولية أو لغرض أن يشارك بها الكاتب في مؤتمرات علمية متخصصة ، لكنه جمعها بين دفتي كتاب عنونه بعنوان جامع يجعلنا نقف عنده لمحاولة تحديد دلالاته التي تحمل اكثر من حد ، ويمكن أن نحلل العنوان إلى فروع أو حدود هي كالآتي :

الحد الأول : الطفل المغربي .

الحد الثاني : أساليب التنشئة الاجتماعية .

الحد الثالث : أساليب التنشئة الاجتماعية الحديثة .

الحد الرابع : أساليب التنشئة الاجتماعية التقليدية .

الحد الخامس : الطفل المغربي بين أساليب التنشئة الاجتماعية الحديثة و التقليدية .

    إذن ، إن مباحث هذا الكتاب الخمسة ، كلها يجمعها هم واحد ذو دلالة معرفية و تربوية ، تسعى لفهم قضايا قد يواجهها أي باحث أو مرب في التعامل مع الطفولة ، وهذا هو الدافع الذي جعل اختيارنا يقع على هذا الكتاب ، ما دام مجال تخصصنا في علوم التربية و بالضبط ما يدخل في علم النفس النمو . إذ أن هذه المباحث في عمقها " تجلي إشكالية الأنساق التربوية في الدول النامية عامة و في الوطن العربي بصفة خاصة "

    إن محمد مصطفى القباج يطرح إشكالية تهدف إلى تأكيد الحاجة إلى إعادة النظر أو مراجعة المواقف تجاه مشكلة الطفل ، وذلك قصد إبداع توجه جديد تربوي ذي أهداف و ممارسات و مناهج جديدة تقطع مع التقليد و تتجاوز المعهود ، وتفتح الباب على مصراعيه كي ينخرط الطفل من خلاله إلى وسط تربوي جديد، تنمي في شخصية الطفل ذاك الميول في التحرر و الاختلاف و النزوع إلى الاستقلالية الذاتية ، و بالتالي النضج و الإبداع .

    إذن كيف تناول محمد مصطفى القباج معالم إشكالية الطفولة بين التقليد و الحداثة ؟ أو كيف يمكن تجاوز التربية " الدمجية " إلى التربية " التحررية " الحديثة ؟

    تعتبر الطفولة مرحلة من مراحل نمو الشخصية الأساسية لذا الإنسان ، وهي تتأثر بمجموعة من المؤثرات نتيجة نوعية التنشئة التي يتلقاها الطفل قد تتميز إما بطابع التقليد ، أي التربية الدمجية أو بطابع الحداثة ، أو التربية " التحريرية ".

    إن التنشئة التي يتلقاها الطفل أول مرة ، هي التي تعرف بالتنشئة الأسرية ، وهي في الأصل ، أصل التنشئة الاجتماعية التي عرفها روشي GUY ROCHIH بكونها " الصيرورة التي يكتسب الشخص الإنساني عن طريقها و يستنبط طوال حياته العناصر الاجتماعية الثقافية السائدة في محيطه و يدخلها في بناء شخصية ، وذلك بتأثير من التجارب و العوامل الاجتماعية ذات الدلالة و المعنى ، ومن هنا يستطيع أن يتكيف مع البيئة الاجتماعية ،حيث ينبغي عليه أن يعيش " ، وتلعب السنوات الأولى من عمر الفرد دورا مركزيا في هذه التنشئة ، إذ كلما نما الإنسان إلا و اكتسب أنماطا جديدة من السلوك و القيم ، فتتنامى شخصيته مع ثقافة المحيط الذي يعيش فيه إذ بدمج قيمه و رموزه يساهم في بناء شخصيته و بالتالي تحقيق تكيفه مع بنية هذا المحيط ، وهذا ما تناوله محمد مصطفى القباج في مبحثه الأول مبرزا دور الأسرة من خلال تعريفه لها بأنها " الإطار الاجتماعي الذي يفتح الطفل عينيه فيه عن العالم وهي الوسط الذي يتكفل بتزويد الحدث الصغير بما ذكرناه من عناصر التنشئة و التكوين و الأمان و هي عناصر بعضها و جداني ، وبعضها عقلي ، وبعضها سلوكي ، لا بد من تفاعلها لتحقيق النضج [...] "، فالأسرة هي وسط ضروري لا تدرك قيمتها إلا عندما يفقدها الطفل ، ويفقد معها كل مقتضياته الذهنية و العاطفية و القانونية ، ويكون بالتالي عرضة لمجموعة من الإختلالات و التجارب العاطفية الاليمة ، وقد اتخذ غياب الأسرة منذ القديم ، خاصة مع غياب الانتماء إلى الأب او الأم أو هما معا ، طابعا قدحيا يجعل الطفل يعير بابن الزنا أو اللقيط أو المهمل ، فالأسرة مركب من مركبات المنظومة الاجتماعية الضرورية لمواجهة الحياة الاجتماعية ، وبدونها تختل هذه المنظومة . فهي تواصل وظيفتها بالنسبة لأصعب مرحلة في حياة الإنسان التي يطلق عليها بعض المحللين ب " الفطام الثاني " أو ما يعرف بمرحلة المراهقة التي يؤكد خلالها الفرد استقلاليته و جدواه داخل المنظومة الاجتماعية ، لكن ما يجب الإشارة إليه هو ان لكل مجتمع مناخاته الطبيعية و خصوصياته الثقافية و العقدية ، و بالتالي تبقى الطفولة و المراهقة مرتبطتان بجميع هذه الخصوصيات .

    فالطفولة و المراهقة بالمغرب مرتبطتان بالمناخ المتوسطي و المحيطي ، و بالاعتقاد الديني الإسلامي ، و بالواقع الاجتماعي و الاقتصادي كبلد سائر في طريق النمو و غيرها من الخصائص تجعل النظام الأسري في المغرب يختلف عن غيره في بلدان أخرى..فالأسرة تعتمد على مفاهيم القرابة و التبادل و التواصل ، هذا ما يجعلنا نقول إن المؤسسة الأسرية بما تتيحه كوسط تربوي للطفولة الأولى من ظروف و إمكانات واسعة ، تعد الفرد في نفس الوقت ليجتاز مرحلة المراهقة في أحوال جيدة رغم أنها من أصعب مراحل نمو الإنسان ، و يتجلى ذلك في كون أن المراهق يستعمل جميع خبرات التنشئة المتأثرة بالموقع و المعتقد في تحقيق رغبات الذكورة أو الأنوثة ، كما أن الفترة تحدد ذوق الفرد المراهق و اختياراته ، و تمكنه من الانتقال من الوسط الأسري إلى مجال أوسع للحياة الاجتماعية ، إذ ينتقل من وضع " العالة " إلى وضع " المسؤول " الذي يؤهله إلى تحقيق اختيارات حاسمة نحو تخصص معين نظري أو عملي أو هما معا .

    إن الأسرة إذن ذاكرة المجتمع التي تخزن هويته و قيمه ، و تحافظ على استمرار هاته القيم وتلك الهوية ، و إضعاف هذا الكيان حثما سيؤدي إلى شرور كثيرة قد تحطم المجتمع ككل ، والمغرب فهم أن اهتمام المجتمع الدولي بالأسرة هو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى لا نسقط في الإباحية و الانحلال الخلقي حسب تعبير الكاتب ، و المراهقة التي تعصف بها أمراض العصر هاته ، هي مراهقة هشة سائغة في فم الخطر الذي يهدد الحضارة اليوم ، وهي دليل على أن الوسط العائلي لم يقم بما عليه من مهام في التنشئة و التكوين .

    لقد قدم لنا محمد مصطفى القباج الميثاق الوطني للأسرة المغربية الذي كان يسعى إلى التوفيق بين أصالة المجتمع المغربي و العزم على تحقيق الحداثة و استعمال كل الأدوات و السبل التي تتيح الاستثمار الصحيح لكل الطاقات البشرية بجميع فئاتها ، وتعزيز التربية الأسرية ، وجعل الأسرة أداة فعالة للتنمية الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية ، و تعزيز كل ما من شأنه يحمي الطفل و المراهق ، خاصة الذي يعيش حالة صعبة كالإهمال و الإعاقة و التسول و الانحراف ...بالإضافة إلى تنظيم لقاءات و مناظرات كلها تسعى إلى تعزيز و تقوية دور و مكانة الأسرة المغربية في التنمية المجتمعية .

    غير أن الكاتب سيُعرجُ بنا في دراسته هاته إلى إبراز أن مفهوم الطفولة في القرن العشرين عرف تطورا جذريا إذ راح يستمد عناصره من ذات الطفل نفسه لا من خارجه ، وذلك بفضل تنوع العلوم التي تتناول موضوعه ، و التداخل بين اهتماماتها ، حيث خرجت الطفولة من هيمنة الناضجين و أصبحت تعكس حقيقتها الصميمية التي تسهل التعامل معها ، و هناك ثلاثة أمثلة تبين معالم التطور الذي حصل في مفهوم " الطفولة " :

    المثال الأول : وهو ما أسفرت عنه أبحاث جان بياجي في ميدان السيكولوجيا التكوينية أو سيكولوجيا النمو، من أن الطفولة عملية نمائية للبنيات العقلية ، يحقق فيها الكائن توازنا ينجم عن نضج داخلي و تمثل للعالم الخارجي ، هكذا فالطفل في هذه المرحلة الحسية الحركية عاجز عن تصور شبكة العلاقات المجتمعية و القيم يتبع منطقا يتناسب و طبيعة المرحلة التي يمر بها الطفل للوصول إلى هذه المعطيات .

    المثال الثاني : و يتحدد في الثورة التي أحدثها التحليل اليقيني بخصوص الطفولة و تفاعلاتها الوجدانية التي تحدد معالم الشخصية الإنسانية طيلة حياة الفرد ، وهذه التفاعلات لا يمكن تصورها إلا في علاقاتها مع النسق المجتمعي خاصة داخل الأسرة .

    المثال الثالث : يتحدد في الدراسات السوسيولوجية المتخصصة في تحليل ظاهرة تنافر تصورات و قيم و علاقات و المشاكل المطروحة على المجتمع بين الأجيال .

    إن هذه الأمثلة تجعل من الطفولة منتوجا عقليا و مجتمعا معقدا تتحكم فيه مجموعة من التفاعلات الفسيولوجية و النفسية و المجتمعية و العقلية .

    إن التطور المفهومي ليس حدثا معزولا عن سياقه المعرفي العام ، حيث يدخل في علاقة جدلية مع التطورات الأخرى التي عرفها القرن 20 سواء في مجال العلوم الدقيقة أو الثورات التكنولوجية الكبرى ، خاصة في ميدان المعلوماتية الذي ينتقل فيه العالم من مجتمع الإنتاج الصناعي إلى آخر معرفي له ارتباط و وثيق بوسائل الاتصال المتطورة المسموعة و المرئية و المقروءة ، لكن ما هي أهم نتائج هذا التطور المعرفي ؟

    نتج عنه تربويا تواجد وظيفتين إحداهما تقليدية تعود إلى القرون الماضية ، وثانيهما تحريرية جاءت بها الطفرات المعرفية الطارئة هكذا نجد أنفسنا إذن أمام اتجاه دكي في التنسيق المجتمعي أي بمعنى تنشئة تقليدية ، واتجاه تحريري يلبي الرغبة في الاختلاف عن النسق المجتمعي ، فهناك الأسرة و المدرسة و وسائل الاتصال يتناوب عليها التوجه الدمجي لمطابقة النموذج الاجتماعي و السياسي ، و التوجه التحريري الذي يباعد بين الفرد و وسطه المجتمعي ليدخل به في علاقات توافق مستقبل المجتمع مختلفة عن ما كانت عليه في الماضي ثقافيا و قيميا .

    فالتربية أصبحت عملية تقوم بها الأسرة و المؤسسات التعليمية و مؤسسات الشغل ، و المؤسسات السياسية و كذلك وسائل الاتصال على اختلاف أنواعها ، معتمدة على أدوات متنوعة كاللعب ، واللغة ، والمعتقد والأعراف ومناهج التعليم والنوادي والجمعيات والصحف والإذاعة والتلفزة ...الخ .

    إذن لعبت وسائل الاتصال دورا أساسيا في تحويل الحضارة المعاصرة كما قال ( رولان بارت ) إلى حضارة لغوية صورية . ووسائل الاتصال هاته هي " مجموع العمليات الكهربائية والإلكترونية المستعملة في إنتاج ونشر الصور والأصوات والرموز من أجل تواصل العامة من الناس و التقاط جمعي أو فردي منظم " . إنها وسائل لإيصال معلومات تبقى في حد ذاتها قابلة للتأويل . كما أنها تجمع بين الترفيه و التكوين ، وبين العقل والوجدان ، وبين الفرد والمجتمع . وتساهم بالتالي في: ارتفاع في نسبة المعلومات التي يتلقاها الفرد ، وفي أنماط السلوك ، والقيم وأنظمتها ومختلف الاتجاهات والمواقف .

    إن الدول المتقدمة تكنولوجيا وفقت في مواءمة إيجابية بين توجهي التربية الدمجي والتحرري من خلال وسائل الاتصال ، رغم تعترضها من مشاكل . لكن الدول المتخلفة كدول استهلاكية تبعية لم تنجح في ذلك . مما يجعل إنسان هذه الدول يتعرض لأثار ذات مضاعفات سلبية خاصة في صفوف فئة الأطفال، التي تجد نفسها بين تنشئتين ، تقليدية ( في أحضان الأسرة والمدرسة ) وتواصلية ( من خلال السينما والتلفزة والفيديو والصحافة ... ) .

    لكن ماذا يمرر خطاب وسائل الاتصال إلى وعي الطفل في مجتمعاتنا المتخلفة ؟ .

    إن الخطاب الذي تمرره وسائل في مجتمعاتنا يتمثل في الدعوة إلى مثاقفة بين نموذجين ثقافيين متباينين. كما تدعو إلى أسطورية الحظ عبر الإشهارات والرهانان والمغامرات . وأيضا الدعوة إلى رفض الماضي المرجعية وتقديس الحاضر والمستقبل . وأيضا النظر إلى مركبات الخطاب التواصلي على أنها مستوى واحد تؤدي نفس الوظائف : العلم ، الدين ، الأدب ، التقنيات الموسيقى ، و العمل، هي ترسيخ نموذج كوني للشخصية تختفي معه الفوارق الحضارية ، و تلويث اللسان القومي إمعانا في طمس الهويات الثقافية باستعمال أكثر من لغة في بث الرسالة التواصلية ، هذا بالإضافة إلى آثار أفلام العنف .

إن وسائل الاتصال تخلف آثارا إيجابية و أخرى سلبية ، لكن لا بد من التدخل من اجل توجيه هذه الوسائل الوجهة الصالحة ، خاصة في المغرب حتى يكون المجتمع متوازنا ، و إنشاء مركز يبحث في آثار و سائل الاتصال الإيجابية و السلبية ، وإقامة رقابة من أجل تنظيف الرسائل الإعلامية مما يدخلها من مضامين ذات التأثير السلبي .

إن التنشئة المجتمعية للطفل غالبا لاما تتحكم فيها جماعة الناضجين خاصة في مجال التربية و التعليم ، وذلك بغية دمج الفرد في الجماعة وفق أعرافها و معتقداتها و أنماط سلوكها ، حتى يحقق الفرد نضجه الكامل في ظروف تفتح مناسب ، كي يتحكم في ملكاته ، هذا كله يدخل ضمن الحتميات الطبيعية التي تحيط بالكائن البشري ، وفي معظم الأحيان تكون البنيات الأساسية للدمج المجتمعي بنيات مشبوه فيها تضيع على الفرد فرص الإنعاش و التطور ، وهي تلغي مبدأ تكوينيا في السيكولوجيا التكوينية ، وهو أن الفرد الذي لا يكون متوفرا على الشروط الضرورية لتمثيل النموذج المبيت تمتنع عليه المطابقة مع الظروف الخارجية ، لكن التنشئة المجتمعية التي تكون عرضة لمؤثرات خارجية يجعلها عرضة للانسلاخ الثقافي .

فالتنشئة المجتمعية التقليدية تتحقق في المؤسسات المجتمعية الأصلية خاصة خلية العائلة ، و أيضا المؤسسة التعليمية و مؤسسات الشغل و المؤسسات السياسية كالأحزاب ، كل هذه المؤسسات و على رأسها العائلة و المدرسة تستعمل و سائل جاهزة لهذه التنشئة ، أهمها اللغة و المعتقد و العرف و مضمون التعليم و اللعب ...أما التنشئة المجتمعية المتقدمة صناعيا ، فقد ظهرت بها وسائل جديدة لهذه التنشئة وهي كما أشرنا لها سابقا بتقنيات الاتصال التي تسهم في العمليات التعليمية بجعلها أكثر سهولة و فاعلية ، لكن بحكم ارتباط هذه التقنيات بالتطور الصناعي و الاقتصادي أدى بها الأمر إلى تحول حضاري يمكن الاصطلاح عليه بأنه ( حضارة لغوية صورية )، و بالنسبة للمغرب باعتباره بلد من العالم الثالث يدور في الفلك الليبرالي ، فالتنشئة المجتمعية إلى حدود الاستقلال كانت تتسم وفق " نموذج تقليدي " مع تواجد نموذج غربي دخيل ، وقد انضافت إلى هذين النموذجين بعد الاستقلال و سائل جديدة من التنشئة هي مستعارة ، تقنيات التواصل ، إذ ركز مصطفى القباج على التلفزة بالخصوص كنموذج .

فالتنشئة المجتمعية التقليدية بالمغرب تناولها الباحثون حتى اختلفت رؤاهم فيها ، وكانت تؤكد على أن الطفل المغربي تلقى تنشئة اجتماعية تعتمد بالأساس على أفراد الأسرة ، و كل الناضجين من حوله ، حيث أن الطفل يتواجد معهم طيلة وقته ، ويلقى الرعاية و العطف منهم بل قد يصير موضوع استمتاع و تسلية بالنسبة لهم ، لكنه في مرحلة أخرى يتعرض إلى تغيير جدري في هذه العلاقة التي قد تصبح جارحة لعواطف و كرامة الطفل ، وذلك بغية الحد من أنانيته و أنفته كما يتعرض لتصحيح سلوكه من طرف الأب كلما حاول مضايقة الأم ، هذا بالإضافة إلى سوء الوضع المادي لكثير من الأسر ، كل هذا يكون له تأثير على الطفل قد يواجهها فيما بعد بتصرفات شبيهة بما كانوا يقومون به في السن الثانية من العمر ، وهو ما يرفضه الكبار على اعتبار أنه دلال مبالغ فيه ، كما أن الطفل قد يلتحق بالكتاب لأجل حفظ القرآن و أيضا كي تتعدل سلوكاته من خلال الفقيه الذي قد يحاسب الطفل على جميع تصرفاته دون رحمة أو شفقة ، وذلك يؤيده تفويض من قبل الوالدين أحيانا . وفي مرحلة أخرى تشتد المراقبة على الطفل بحيث لا يصح له أن يصدر أحكاما في حق والديه ، وإلا تعرض للعقاب الجسدي ، و مع تقدم سنه يستحيل على الطفل أن يتخذ مواقف شخصية وواعية أو تحسين وضعه داخل الجماعة ، لدرجة أنه يبقى معولا على والديه لدرجة تتكفل بتزويجه أحيانا في سن المراهقة ، وباختيار عشوائي لرفيقة حياته ، لكن هذه التنشئة الاجتماعية حسب القباج لا تسري على الكل ، بل تختلف حسب مستوى العائلة و انتماءاتها السياسية و الإقتصادية و العقدية .

فالطفل المغربي مباشرة بعد الاستقلال 1956 و المراهق و الراشد أيضا أصبح يمارس عليه تعنيف أشد ضراوة ، من قبل وسائل الغتصال المستعارة من الخارج ، خاصة التلفزة الذي أدى تدخلها إلى تسطيح الإنتاج الثقافي ، ومعاملة الإنتاجات على حد السواء ، وراحت تكتسح كل أنحاء العالم بجعلها تبث خطابا كونيا لا يأخذ بعين الاعتبار الفروق بين الثقافات و الذهنيات ، كما أن استمرار الأطفال في مشاهدة التلفزة يُساهم في انخفاض معدل الذكاء بالنسبة لهم .

إذن ، هناك تناقض واضح بين التنشئتين التقليدية و المترتبة عن وسائل الاتصال ، فالأولى تحصل في ظل ثقافة أصلية متفردة أما الثانية فهي قائمة على مثاقفة تعني انسلاخا ثقافيا و أيضا اكتساحا لثقافة أخرى هي الأكثر نظارة ، لكن الثقافة الأصلية تمكث في عمق صاحبها رغم ذلك و لا يمكنه أن يلفظها إلا بتغيير وسطه .

إن الدول التي تعرضت لاكتساح الثقافات يحمل الفرد فيها شخوصا متعددة بما يعني فقدانه لكل شخصية ، كما أن التنشئة التقليدية تعتمد على الدمج بينما الثانية تزاول هتكا حادا يؤدي إلى حالة اتساخ عقلية و عاطفية قد تستعمل لصالح السياسة أحيانا ، كما أن التنشئة التقليدية تعزز شيوع أسطورية غيبية تتحكم في مصائر الناس بينما تنشئة تقنيات الاتصال تؤدي إلى أسطورية الحظ و غيرها من التناقضات ...

إن معظم الإنتاجان في تقنيات الإتصال الحديثة تكون بلغات متعددة ، وهي حثما تجعل اللسان هجينا بدوره ، فالتعدد اللغوي ليس دائما مفيدا ، لكونه يؤطر محيط الطفل منذ ولادته تتجاوز التأثير العقلي تخترق على الشخص صميميته ، كما أن وسائل الاتصال في البلدان المتخلفة تمثل مساسا بالأفراد لكونها ليست خاضعة لبرنامج أو تخطيط له أهداف ومن المستحيل تدارك الموقف إلا بإنشاء " خلية علمية للبحث " مهمتها تحديد الدور الذي ينبغي أن تؤديه التقنيات التواصلية ، وهذا مشروع يتطلب جهدا فائقا و يقضة مستمرة حسب القباج .

لكن إلى جانب تقنيات الاتصال هناك المدرسة التي تقوم بدور إضافي في تربية و تنشئة الفرد ، فبينما الأسرة تمثل الوسط الطبيعي لتلك التنشئة ، فإن الالتحاق بالمدرسة يعتبر مرحلة في نمو الفرد حيث فيها ينخرط في معارف العصر و يكون شخصيته ، و تسعى إلى الحفاظ على التراث و تقاليد المجتمع و قيمه ، تدعيما للروابط الاجتماعية بين الأفراد و تماسك بنية الأمة بواسطة مجهود علمي ، في البحث و التلقين ، حتى أصبحت المدرسة الضد المقابل لكل ما هو سطحي متهافت و متحول ، لكنها تعيش حاليا انعزالية مستمرة نتيجة التطور السريع للتكنولوجيا ، خاصة من وسائل الاتصال التي فتحت الأبواب أمام تغيير ممكن للمدرسة و إرغامها على الخروج من عزلتها .

إن وسائل الاتصال راحت تتيح لكل فرد إمكانية الحصول على المعارف و الخبرات ووسعت دائرة استعمالها القوة العقلية من ذكاء و ذاكرة ، مما ساهم في تطوير هذه القوة منذ الطفولة المبكرة ، غير أن وسائل الاتصال هاته و كما أشرنا سالفا تحكمها خصوصيات تجعل خطورتها أشد على التنشئة الاجتماعية للفرد ، لدرجة أنها أصبحت مقلقة ، وجعلت المدرسة لا تعترف بها مما دفع بوسائل الإعلام إلى تنصيب نفسها أنها تعمل على توصيل المعرفة المعاصرة و المتطورة في مقابل ما تقدمه المدرسة من معرفة متجاوزة مرتبطة دائما بالماضي ، وهذا ما دفع بالمدرسة دوما إلى تغيير محتوى تعليمها وتغيير مناهجه و طرق التبليغ و التدريس ، إذن هناك إشكالية حقيقية وصراع قائم بين رجال التعليم ورجال وسائل الإتصال ، لكن مع بزوغ التربية الحديثة و ظهور مفهوم " البيداغوجيا المتفتحة " تهدف إلى إخراج المدرسة من عزلتها ، و يجعلها تستفيد من مستحدثات الفكر و العلم و التكنولوجيا ، فحاولت المدرسة إثر ذلك استعمال جميع التقنيات التي بإمكانها خدمتها سواء كانت سمعية أو بصرية ، وإدماج وسائل الاتصال في تكوين المعلمين و الأساتذة و إحداث مصالح خاصة ك " التلفزة المدرسية " إذ تفتحت المدرسة على الصحافة حتى أصبح استعمالها كمساعد بيداغوجي ، أي كأداة لتلقين دروس التوعية المدنية و تلقين أساليب الخبر و التعريف بدور و سائل الإعلام المرئية و المقروءة و سلطة الصحافة و الصناعة الصحفية ...كلها تربية طويلة و شاقة لكنها مفيدة .

    إن الصحافة وسيلة إعلامية مكتوبة ما زالت محدودة الانتشار أمام تأثير الإذاعة و التلفزة ، ورغم ذلك كان السبق لهاتين الأداتين الإعلاميتين في التأثير على العملية التعليمية و مساعدتها و مدها بوسائل تقنية في التكوين و التدريس . إذن كيف يمكن دمج الصحافة في العملية التعليمية بالمغرب ؟

    لتحقيق ذلك طرح القباج مجموعة من الاقتراحات كاستعمال الصحافة أداة منهجية ( بيداغوجيا ) و أداة مساعدة ( ديداكتيكيا ) لمادة التربية الوطنية مثلا باعتبارها مادة تجمع بين جميع القضايا التي من شأنها أن تمنح التلميذ و الطفل أفكارا عدة .

    إن استعمال الصحافة كأداة ديداكتيكية في مادة ، تشكل المساعد العقلي لاستيعاب المواد الدراسية الأخرى و التفتح وبث روح الابتكار ، مع أهمية الارتكاز على التطور العرفاني للكائن البشري حسب السيكولوجيا الارتقائية لجان بياجيه ، أو النمودج الذي يركز على التطور الوجداني للكائن البشري حسب فرويد ، وهذا سيوسع من آفاق المدرسة حثما .

    ويعرج بنا محمد مصطفى القباج نحو دراسة أخرى تتعلق بحقوق الطفل بين التراث العربي الإسلامي و الميثاق الدولي الجديد ، حيث رأى أن التراث في معناه الحقيقي و الواسع جزء من كياننا المستمر ، يشكل هويتنا و يحيا معنا ، وأن الوفاء له يسمح بصياغة فلسفة للتربية ، لذا فاحترام التراث شرط لإبداع نمط جديد للتنمية ، مع أهمية التعامل مع هذا التراث تعاملا صارما ، غير أن الطفل داخل منظومة هذا التراث قد حظي بحقوق ابتداء من اللحظة التي يقرر فيها الرجل و المرأة الارتباط بعلائق الزواج ، فالدين الإسلامي أعطى للطفل عناية أزلية سابقة على الولادة ، كما أكد الإسلام أيضا على حق الطفل في الولادة السعيدة ، وفي التسمية الحسنة و العناية الوجدانية القائمة على المحبة و العطف و الحنان ، وأن يتمتع الطفل بحياته كطفل محتاج إلى الرعاية و التربية و حمايته من كل سوء ، فالطفل وديعة الله بين أيدي والديه ، و العدل بين الأطفال داخل الأسرة الواحدة ، وحق الطفل في التربية و التعليم ، مما يستوجب الاهتمام بالتجديد التربوي و إكساب الأطفال القدرات لمواجهة كل الأحوال المحتملة إلى غير ذلك من الحقوق التي أولاها الإسلام للطفل ...، وفي مقابل ذلك نجد الميثاق الدولي لحقوق الطفل الذي عمل بعد جهد مضنٍ لإنشائه ، على تأكيد حق الطفل في الحياة و ضمان بقائه و توفير شروط نمائه و احترام هويته و حقه في التعبير عن رأيه و أن يضمن المجتمع للطفل حرية الفكر و الانتماء الديني في حدود تشريعات البلد ، وعلى و سائل الإعلام أن تنشر ما يضمن سعادته و معرفته بالشعوب ، مع احترام ثقافته و حمايته من الإعلام المغرض و أدواته ، و العيش المناسب ، و الحق في التربية و التعليم ، و حمايته من قبل الدولة إلى غير ذلك ...

    إن محاولة التحليل المعمق سيكشف عن أن الميثاق يقوم على فلسفة تربوية تتعارض كاملا مع المعطيات التراثية ، فالميثاق مثلا يثبت بان الطفل مواطن ، أي إنسان مكتمل الشخصية و بالتالي معاملته على قدم المساواة مع الكبار ، أي مسؤول عن أفعاله و أنه محط الثقة .

    إن الميثاق يتضمن اختلالا منطقيا بين صورة الطفولة و لائحة الحقوق التي تقرها اللوائح القانونية للميثاق ، و بالتالي تجريد أغلب الناضجين من كل الأدوار التربوية و ربما حتى التعليمية على حد تعبير الكاتب ، إن الميثاق نص علماني و ثوري . لكن كيف نوفق بينه و بين التراث ؟

    إن هذا التحدي لن يتحقق إلا بفتح باب الاجتهاد الذي لايمس النص القرآني مادام مشروع بالنسبة لغيره من النصوص و النحل و الاجتهادات و الممارسات ، في مواجهة للميثاق الذي يدخل في إطار لا يتماشى مع الإطار الثقافي الإسلامي رغم أن بعض الدول الإسلامية صادقت عليه و أصبح ملزما لها .